لغز اقدم سجين سياسي سوري

لقد وضعت البشرية قوانينها منذ آلاف السنين لتنظم حياة الناس ولتكن الحقوق مصانة للجميع كي يرتقي الإنسان بها إلى مراتب أعلى من عصر المشاعية أو التعصب القبلي للخروج من ظلمة الجهل , فكانت القوانين الوضعية قد تجاوزت الأديان باهتمامها بالفرد والدوافع التي تحيق به وتوقعه بإعمال العنف وغمط الحقوق رغبة في إبعاد شبح الظلم والوصول بعض الشيء إلى العدالة التي يحلم بها كل مفكر متطلع إلى مجتمع القانون والعدالة , لكن السلطة في سورية عطلت عمل القوانين منذ اكثر من أربعين عاماً تحت ظل الأحكام العرفية وقانون الطوارئ الذي يعرقل ويشوه تطبيق القوانين مهما كانت عادلة ومكتوبة بشكل منطقي, محطمة الرقم القياسي في العالم بطول مدة سريان هذا القانون المجحف بحق جميع أبناء سورية.
لقد مارس النظام في سوريا منذ أربعين عاماً العبودية والفقر والإذلال ضد أبناء الشعب من الطبقات غير المنتفعة بالسلطة ، وكرس الطائفية والفردية والقمع والاستبداد ، ومارس ابشع اساليب القهر ضد معارضي الرأي ، والمقابر الجماعية والسجون في اغلب المدن السورية لشاهد حقيقي على وحشية النظام المستبد ، فمدينة دمشق وحدها تحوي عشرات السجون إذ تنتشر على مدى مساحات واسعة , بل أن لكل مدينة وقصبة سجنها الرهيب الذي يمكن أن يذهب أليه المرء دونما عودة كما قال أحد السجناء عن سجن تدمر , هذه المدينة التاريخية العريقة , والتي تعتبر من أهم حواضر سورية ووجهها العريق, يقول هذا السجين" الحياة في تدمر أشبه بالسير في حقل الغام , فقد يفاجئك الموت في أية لحظة , أما بسبب التعذيب أو وحشية السجانين أو المرض أو الإعدام" ، وقصة أقدم سجين سياسي في العلم لخير دليل على وحشية وقسوة النظام المستبد في سوريا
إن سجون أنظمة القمع والخوف العربية والتي طبقت شهرتها الآفاق مازالت حتى الآن وبرغم العصر الفضائحي والمعلوماتي الذي تعيشه شعوب الأرض تضم مصائبا ورزايا سكت عنها الإعلام أو تجاهل أخبارها، أو لم تتيسر له سبل المعلومات الكافية التي تدعو للنبش فيما يدور خلف جدرانها المغلقة والحصينة والمختلفة الأرقام والأعداد والأماكن، وهنا لابد من الإشارة للدور الفدائي والمغامر الذي قام به الإخوة في ( المجلس الوطني للحقيقة والإنصاف والمصالحة في سورية) لإماطة اللثام عن واحدة من أكبر الإنتهاكات ضد الإنسانية والتي تمت بدون مسوغات شرعية ولاقانونية ولا أي مبررات مقبولة ، بل أن الأمر يتجاوز الفضيحة بكثير ويدخل ضمن خانة الكوارث المرعبة لنظام وأجهزة لاتعرف الإنسانية سبيلا لقلوبها ثم تدعي كذبا ورياءا نيتها في تحرير الأرض السليبة والمغتصبة أو في تحقيق التوازن الإستراتيجي المنشود والمستحيل مع العدو الصهيوني!! فكيف لدولة قمعية طويلة عريضة أن تستطيع مناطحة العدو وهي خائفة من رجل واحد وتتفنن في إختراع سبل الإخفاء والدفن والتغطية على الجريمة عبر مسلسل الصمت القاتل وغض البصر الرهيب ، والقضية تتعلق بإعتقال وإختفاء المواطن العربي السوري وأحد أفراد القوات المسلحة السورية وأحد ضباطها المدعو: فرحان الزعبي . لعلها قصة خرافية تصلح كقصة من قصص الخيال العلمي ! لولا أن شهودها وشواهدها ووثائقها حية ونابضة بالحياة وتفضح كل دعاة الشعارات الوطنية والقومية المزيفة والمتاجرين بقضايا الأمة والذين يعلقون مصائب شعوبها على شماعة الصراع مع العدو الصهيوني!
السجون السورية تتكشف عن وجود أقدم سجين سياسي في العالم :
دمشق ، باريس 24 أيار / مايو 2004
السجون السورية تتكشف عن وجود أقدم سجين سياسي في العالم اختفت آثاره منذ ثلث قرن : فرحان يوسف الزعبي يدخل عامه الرابع والثلاثين في زنزانته الانفرادية وسط تكتم السلطة على مصيره وهناك معلومات ووثائق رسمية تؤكد أنه لم يزل على قيد الحياة
حتى بضعة أشهر خلت ، وبعد إطلاق سراح السجين السياسي فارس مراد ، وقبله بفترة وجيزة زميله هيثم نعال ، البعض كان يعتقد أن زميلهما الثالث عماد شيحة ، المعتقل معهما في العام 1975 على ذمة المنظمة الشيوعية العربية ، قد أصبح السجين السياسي الأقدم في العالم . إلا أن المعلومات حول الضابط السابق فرحان يوسف الزعبي غيرت الصورة . فقد أكدت التحقيقات أن السجين فرحان يوسف الزعبي ، الذي اختفت آثاره منذ العام 1970 ، لم يزل على قيد الحياة في زنزانة انفرادية بالفرع 293/1 المعروف باسم فرع الضباط في شعبة المخابرات العسكرية السورية ، والذي يترأسه اللواء علي يونس .
من هو فرحان يوسف الزعبي ؟
ولد فرحان الزعبي لأبيه السيد يوسف شحادة الزعبي وأمه السيدة عائشة في قرية اليادودة التابعة لمحافظة درعا (جنوبي سورية ) بتاريخ 30 كانون الأول / ديسمبر 1942 . وفي 29 آب / أغسطس 1963 حصل على الشهادة الثانوية من ثانوية مدينة السويداء الرسمية ، ليلتحق بعد ذلك بالكلية الحربية في مدينة حمص (وسط سورية ) . وفي 19 نيسان / أبريل 1965 تخرج فيها برتبة ملازم ، حيث تحمل شهادة تخرجه الرقم 108 . وفي العام 1968 رفع إلى رتبة ملازم أول . بعد قضائه فترة في خطوط المواجهة الأمامية مع إسرائيل ( تحديدا اللواء273 في منطقةالخشنية في القطاع الجنوبي ) ، تم انتدابه كمدرب في معسكرات لواء جيش التحرير الفلسطيني المتواجد في سورية ، والتابع ـ بموجب الاتفاقية العربية الخاصة بإحداث هذا الجيش ـ إلى رئاسة هيئة أركان الجيش السوري . وفي أيلول / سبتمبر 1970 تم إرساله في عداد القوات السورية إلى الأردن للمشاركة في العمليات الحربية المعروفة ، حيث وقع في أسر القوات الأردنية . وقد أكدت السلطات الأردنية المختصة ، كما سيأتي تفصيله لاحقا ، أنها سلمته إلى الحكومة السورية بتاريخ 24 أيلول / سبتمبر 1974.
خلفية القضية وسير التحقيق في الكشف عن مصير فرحان الزعبي :
في مطلع آذار / مارس الماضي 2004تسلم نزار نيوف رسالة موقعة باسم آل الزعبي في محافظة درعا عبر فيها كاتبوها عن ثقتهم بان السيد نيوف وشجاعته في فتح ومتابعة الملفات الخاصة والمعقدة وأملهم بأنه قادر مع منظمته على الكشف عن مصير ابنهم ، بعد أن فشلوا في الوصول إلى أي نتيجة من اتصالهم بناشطين في حقوق الإنسان ينحدرون من محافظتهم وبمنظمات محلية ودولية أخرى معنية ". وقد تضمنت الرسالة ، إلى جانب المعلومات الأولية المتعلقة به . وبناءً على التحقيقات التي قامت بها ملك بيطار وناديا قصار من المجلس الوطني للحقيقة والعدالة ، في كل من الأردن وسوريا ، حيث استطاعتا الحصول على المعلومات والوثائق التي تؤكد أن السيد فرحان يوسف الزعبي تم تسليمه فعلا إلى السلطات السورية بتاريخ 24 أيلول / سبتمبر 1974 ، وأنه لم يزل على قيد الحياة في إحدى الزنازين الإنفرادية التابعة لفرع الضباط في المخابرات العسكرية .
قرائن الإثبات :
بالإضافة للوثائق التي حصل عليها نزار نيوف من آل الزعبي ، حصلت ملك البطار وناديا قصار خلال مهمة التحقيق التي استغرقت شهرا كاملا على .
المعلومات والوثائق التالية :
1 ـ أكد النائب (س ) عضو مجلس الأعيان الأردني ، بعد جهود التقصي التي بذلها ، أن محمد رسول الكيلاني ، الرئيس الأسبق للمخابرات الأردنية نهاية الستينيات وبداية السبعينيات ، " فشل في تجنيد السيد فرحان الزعبي من أجل لقيام بعمليات تخريبية على الأراضي السورية " . ولهذا " أمر بوضعه في الحبس الإنفرادي في سجن الجفر الصحراوي وتعذيبه إلى حين تسليمه للسلطات السورية بعد أربع سنوات على أسره " . وأكد النائب أنه اطلع على محضر الاستلام والتسليم الذي تم على الحدود الأردنية ـ السورية في الساعة 11:27 من صباح 24 أيلول / سبتمبر 1974 ، مشيرا إلى أن قرار السلطات الأردنية بالإفراج عنه وتسليمه للحكومة السورية جاء " نتيجة وساطات قام بها وجهاء عشيرة الزعبي في الأردن وزوجة رئيس الوزراء الأردني آنذاك وصفي التل " .
2 ـ بعد ثبوت تسليم السيد فرحان الزعبي للسلطات السورية ، توجه مسار التحقيق إلى الأراضي السورية . وهناك استطاعت ملك بيطار الوصول إلى السيد سعيد الكردي الذي كان يخدم في المخابرات العسكرية خلال العام 1974 . وقد أكد السيد الكردي " أن رئيسه آنذاك هشام جميل طلب منه الذهاب إلى منزل آل الزعبي أوائل تشرين الأول / أكتوبر 1974 لإحضار ملابس لضابط معتقل تم استلامه حديثا من الحكومة الأردنية " . وبعد بحث دام بضعة أيام تمكنت ملك بيطار من الاتصال غير المباشر ـ عن طريق سيدة أخرى ـ بضابط المخابرات هشام جميل ، رئيس الفرع 248 (فرع التحقيق العسكري في المخابرات العسكرية السورية ) خلال السبعينيات وشقيق قائد القوى الجوية الأسبق اللواء ناجي جميل . وقد أكد هشام جميل رواية السيد سعيد الكردي ، مضيفا القول إن " فرحان الزعبي كان معتقلا لديه في تلك الفترة ، وأن أخاه اللواء ناجي طلب منه السماح لأسرة فرحان الزعبي بزيارة ابنهم ، بعد تدخل بعض معارفه لديه ، إلا أنه لم يستطع تلبية رغبة شقيقه بسبب خوفه من إجراء عقابي قد تقوم بها القيادة ضده نظرا للوضع الحساس التي تنطوي عليه قضية السجين المذكور " .
3ـ يحتفظ الجيش السوري ، كغيره من الجيوش ، بسجلات خاصة تتعلق بحركة ضباطه وجنوده منذ بداية خدمتهم حتى انتهائها . وفي سورية هيئتان مسؤولتان عن ذلك هما " إدارة شؤون الضباط " و " إدارة السجلات العسكرية " ، إضافة لهيئة خاصة في وزارة الدفاع تدعى " مكتب أسر الشهداء " . وحين يستشهد العسكري أو يفقد في العمليات الحربية أو يموت لأي سبب كان ، توضع إلى جاب اسمه في " إدارة شؤون الضباط " ، إذا كان ضابطا ، عبارة " تم ترقين قيده " ، والتي تعني الموت . وإذا كان شهيدا أو أسيرا أو مفقودا تتم إحالة ملفه إلى مكتب أسر الشهداء الذي يقوم بإعطاء تعويض لأسرته مع راتبه المخصص . وإذا كان منتدبا للعمل في جيش التحرير الفلسطيني ( وهو تابع بموجب اتفاقية عربية كما أشرنا أعلاه إلى رئاسة أركان الجيش السوري ) ، واستشهد أو وقع في الأسر وهو على رأس عمله في هذا الجيش ، تتولى" مؤسسة الشؤون الاجتماعية ورعاية أسر الشهداء والأسرى " التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ملف الشخص المعني . وتقع مكاتب هذه المؤسسة في شارع الملك العادل بحي المزرعة بدمشق . وبعد التحقيق تبين لنا أن الفراغ المقابل لاسم فرحان الزعبي في سجلات "إدارة شؤون الضباط " لا يحتوي على أي عبارة تشير إلى أنه تم ترقين قيده ، الأمر الذي يعني أن وضعه القانوني لم يزل كما لو أنه لم يزل على رأس عمله . وبالمقابل تم الحصول على وثيقة أصلية من المؤسسة المذكورة تشير إلى أنها كانت تدفع راتبا شهريا منتظما مقداره 1080 ليرة سورية حتى شهر شباط / فبراير 1995 لزوجة فرحان الزعبي ، السيدة صباح ، باعتبار زوجها شهيدا . وفي شهر آذار / مارس من العام المذكور قررت المؤسسة التوقف عن دفع المرتب بعد أن تأكد لديها أن صاحب العلاقة لم يزل حيا ، وكتبت على صفحة جدول الرواتب عبارة" الشهيد حي يرزق ولا دخل للمؤسسة " ، والتي تعني أن المؤسسة لم تعد مسؤولة عن وضعه . وقد أفاد موظف كبير في المؤسسة المذكورة (رفض الإشارة لاسمه ) لدى سؤاله عن المستند الذي استندوا إليه في تأكيد أن فرحان الزعبي لم يزل حيا ، قائلا " علمنا عن طريق المخابرات السورية أنه موقوف لديها " .
4 ـ سجل قيد نفوس (شهادة ميلاد) باسم فرحان الزعبي صادرة عن أمانة السجل المدني في منطقة المزيريب (محافظة درعا ) بتاريخ 23 تموز / يوليو 1988 . لم يذكر فيها أنه متوفى . فمن المعلوم أن سجل النفوس الخاص بالمتوفين في سورية هو عبارة عن شهادة وفاة يكتب فيها مكان وزمان واقعة الوفاة . وسجل قيد النفوس لا يعطى للموتى !
5 ـ إلا أن الوثيقة التي تم الحصول عليها ، وهي الأكثر أهمية بالنظر لحداثتها ، عبارة عن كتاب موقع من قبل العماد علي عيسى دوبا ، رئيس شعبة المخابرات العسكرية السابق ، بتاريخ 10 تموز / يوليو 1999 ، يأمر فيه بنقل " الموقوف فرحان الزعبي ، بن يوسف ، إلى الفرع 293/1 " . ويمكن الاستنتاج من الكتاب ـ الموجهة نسخة منه إلى إدارة السجون في الشرطة العسكرية ـ أن المعتقل فرحان الزعبي كان عندئذ في أحد السجون الثلاثة التابعة لوزارة الدفاع ( سجن تدمر ، سجن صيدنايا ، سجن المزة ) . وذلك بالنظر لأن كتابا من هذا النوع لا يمكن أن ترسل نسخة منه إلى إدارة السجون في الشرطة العسكرية إلا إذا كان الموقوف نزيلا في أحد سجونها المذكورة .
فرحان الزعبي على قيد الحياة :
. محمد مخلوف يؤكد من خلال مساعي حثيثة منه للوساطة في موضوع فرحان الزعبي وسعياً لتحصيل زيارة له من ان فرحان الزعبي في سورية ، وما كان جوابه لزوجة فرحان الزعبي وأمه إلا أن قال : الموضوع بيد الرئيس شخصياً، إذهبوا إليه.
. محمد الخولي قائد القوى الجوية عام 1979 رجل جريء فما كان منه بعد أن تأكد من مكان وجود فرحان الزعبي في سجن المزة العسكري إلا أن أعطى كل من ( زوجة فرحان وأولاده وحماته) بطاقة زيارة لفرحان الزعبي ، وذهبت الأسرة بفرحتها ولكنعادت بحسرة عندما ألغيت الزيارة على باب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |